عبد الكريم الخطيب

926

التفسير القرآنى للقرآن

وهكذا رأى داود وجه الحقّ ، فأخذ به ، ولم يمسك حكمه الذي استبان له أولا . . قوله تعالى : « وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ؛ وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ » . « صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ » : اللبوس هنا ما يلبس للحرب ، من دروع وغيرها . « لِتُحْصِنَكُمْ » أي تكون لكم حصنا ووقاية في القتال . « مِنْ بَأْسِكُمْ » : أي من عدوان بعضكم على بعض . . والبأس : الشدّة ، والقوّة . وهذه الآية هي تفصيل لمجمل قوله تعالى : « وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً » ، وهي - من جهة أخرى - دفع لهذا الوهم الذي قد يتسرب لبعض العقول من قوله تعالى : « فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ » والذي قد يقع منه في الفهم . انتقاص لقدر داود عليه السلام . . فداود عليه السلام . نبىّ كريم عند اللّه ، محفوف بفضله وإحسانه . . ومن فضل اللّه عليه أنه سخّر معه الجبال والطير ، تسبّح جميعها بحمد اللّه ، وتشكر له . . فإذا سبّح بحمد اللّه ، وجد الوجود كله من حوله ، من جماد وحيوان ، يسبّح معه ، ويأتمّ به في هذا التسبيح ، فيكون من ذلك كلّه نشيد متناغم ، يملأ أسماع الكون ، فتفيض به مشاعر داود ، ويرتوى منه قلبه ، ويصبح كيانه كلّه نغما منطلقا بتمجيد اللّه ، مترنّما بتقديسه وحمده . وفي قوله تعالى : « وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ » إشارة إلى أن هذه الكائنات ، من جبال وطير ، مسخرات من اللّه ، لتسبيحه وتمجيده ، كما سخّر داود من اللّه لتسبيحه وتمجيده ، وأنها قد انضمت مع داود وتجاوبت معه ، وائتلفت به . . وهذا ما جعل لداود هذا الإحساس بها ، حين أزيل الحجاب بينه وبينها ،